السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

9

مفاتيح الأصول

تعم الغائبين مذهبه أنهم مخاطبون بما يفهمونه منها حين اطلاعهم عليها وأن المراد من الخطاب بالنسبة إلى كلّ مكلف ما يفهمه وهذا يوجب العلم بالمراد من تلك الخطابات قلت هذا المذهب مما لا يمكن الإصغاء إليه لظهور فساده وبطلانه لاستلزامه الفساد العظيم في الدين والهرج والمرج فيه مع أن مثل هذا الاستعمال لم يتفق في عرف أهل اللسان واللغة ومن العلوم أن الخطابات الشرعية جارية على قانون اللغة ومن أنكر ذلك فلقد أنكر البديهي وزاحم الضروري وقد أشار إلى جملة مما ذكرناه جملة من المحققين ولا يقال لو لم تكن الخطابات مفيدة للعلم للزم التكليف بالظن والتالي باطل لقبح التكليف به فالمقدم مثله وأما الملازمة فلأنه لا شك في ثبوت التكليف بتلك الخطابات لانحصار مدارك الأحكام فيها لأنا نقول لا نسلم بطلان التالي وعدم جواز التكليف بالظن عقلا لما سيأتي إليه الإشارة سلمنا ولكن لا نسلم الملازمة إذ الحجة عليها إن كانت ما أشير إليه من انحصار مدارك الأحكام في تلك الخطابات فضعفها ظاهر للمنع من الانحصار وإن كان الإجماع فلا نسلمه لعدم العلم بأن كل العلماء حتى جميع أصحاب القول بعدم جواز العمل بالظن في الأحكام الشرعية الفرعية يذهبون إلى أن تلك الخطابات يجوز العمل بها وكيف يجوز هذه الدعوى منهم والحال أن جميع تلك الخطابات وأكثرها لا يفيد العلم عادة كما بيّناه وعدم جواز التكليف بالظن عقلا لا يصير علَّة لأن يفيد العلم ما لا يفيده عادة وإلا لزم أن يكون سائر الأمارات المفيدة للظن كالشهرة والاستقراء مفيدة له تحقيق المطلب أن هذه الخطابات أسباب لإفادة الظن كما أن الشهرة والاستقراء سببان لها ولا تفاوت بينهما عادة أصلا فكما لا يحصل العلم من الأخيرين عادة فكذلك من الأول فلو كان مجرد عدم التكليف بالظن سببا لإفادة الخطابات العلم بالحكم لكان سببا لإفادة الشهرة والاستقراء كذلك لما عرفت من عدم الفرق بينهما ولا أحد يدعي هذا ويلتزم به فإن قلت الفرق بين الأمرين واضح فإن تلك الخطابات لما أوجب الحكيم العمل بها وعلمنا أنه لا يجوز للحكيم إيجاب العمل بغير العلم حكمنا بأنها تفيد العلم ولا كذلك الشهرة والاستقراء لأن الحكيم لم يوجب العمل بهما فلا يفيدان العلم قلت نمنع من أن الحكيم أوجب العمل بالخطابات مطلقا وفي جميع الأحوال وأي دليل على ذلك فإن قلتم الإجماع قلنا هو ممنوع وإن قلتم العقل قلنا لا نعلم دلالته فإن قلتم الكتاب والسنة قلنا لا نسلم دلالتها عليه أيضا ثم إنا نقول يلزم على ما ذكرتم أن يكون كلما جوز الشرع العمل به مفيدا للعلم حتى الشهرة والاستقراء إذا جوز الشارع العمل بهما ولا أظن أنكم تلتزمون به وأيضا نقول إن كان إفادة الخطابات العلم بالحكم الواقعي مشروطا عندكم بتجويز الشارع العمل بها فلا فائدة في البحث لأن بعد تسليم تجويز الشارع العمل بما يعمل بها سواء قلنا بأنها مفيدة للعلم بذلك أم لا فلا فائدة حينئذ في البحث عن كونها مفيدة للعلم كما لا يخفى وقبل ثبوت تجويز الشارع لذلك لا يجوز العمل بها لأنها بنفسها لا تفيد العلم بذلك والحاصل أن من ادعى أن الخطابات تفيد العلم إن كان مراده أنها تفيد العلم بنفسها كالمتواتر والخبر المحفوف بالقرائن القطعية فهو باطل لما بيّناه سابقا وإن كان مراده أنها تفيد العلم باعتبار أن الشارع جعلها حجة فهو باطل أيضا لعدم الدليل على أنه جعلها بأسرها حجة ولو سلمنا فنقول مجرد الحجية لا يستلزم ذلك وإلا لزم أن يكون كل مجتهد مصيبا وهو خلاف مذهب الشيعة فلو سلمنا ذلك فنقول لا فائدة في البحث حينئذ مع من يدعي أنها لا تفيد العلم لاعتراف المتنازعين بوجوب العمل بها بعد تنصيص الشارع على العمل بها وعدم ترتب فائدة على إفادتها العلم وعدمها فتدبّر ولا يقال لو لم يكن الكتاب والسنة مفيدين للعلم لما جاز الاستدلال بهما في مسائل أصول الدين والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فلأن أصول الدين لا يجوز إثباتها إلا بالعلم واليقين وأما بطلان التالي فلأن علماء الإسلام من العامة والخاصة متفقون على جواز الاستدلال بهما في الأصول لأنا نراهم يستدلَّون بهما فيها ولو لم يكن ذلك جائزا لما استدلوا بهما فيها على أنا نرى أن أرباب العصمة يستدلون بالكتاب فيها وهو أظهر دليل على كونه مفيدا للعلم لأنا نقول هذا الإيراد باطل لأنا نمنع من أن جميع أصول الدين يجب إثباته بالعلم واليقين الكاشفين عن الواقع لعدم الدليل عليه لا من الإجماع ولا من الكتاب ولا من السنة ولا من العقل أما الأول فلأن المسألة خلافية فإن جماعة من المحققين صاروا إلى جواز التقليد في الأصول نعم المعظم صاروا إلى أنه لا يجوز التقليد فيها وأنه يجب الاستدلال فيها ولكن يمكن أن يكون مرادهم من الدليل الأعم من العلم الكاشف عن الواقع والظن الذي جعله الشارع حجة وربما كان استدلال العلماء بالكتاب والسنة في الأصول مع قول جمع كثير منهم بأنهما لا يفيدان العلم وقول جميعهم أو أكثرهم بأن أكثرهما لا يفيد العلم دليلا على صحة الاحتمال المذكور وعلى كونهما من الظنون المعتبرة في الأصول فتأمل وأما الثاني والثالث فلأنا لم نجد منهما ما يفيد القطع بوجوب تحصيل القطع بالواقع في أصول الدين فظاهرهما إن دل عليه فلا يلتفت إليه هنا كما لا